محمد علي التهانوي

1117

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم

الفريقين . اعلم أنّ الضروري قد يقال في مقابلة الاكتسابي ويفسّر بما لا يكون تحصيله مقدورا للمخلوق أي يكون حاصلا من غير اختيار للمخلوق ، والاكتسابي هو ما يكون حاصلا بالكسب وهو مباشرة الأسباب بالاختيار كصرف العقل والنظر في المقدّمات في الاستدلاليات والإصغاء وتقليب الحدقة ونحو ذلك في الحسّيات . فالاكتسابي أعمّ من الاستدلالي لأنّه الذي يحصل بالنظر في الدليل . فكل استدلالي اكتسابي دون العكس كالإبصار الحاصل بالقصد والاختيار . وقد يقال في مقابلة الاستدلالي ويفسّر بما يحصل بدون فكر ونظر في دليل . فمن هاهنا جعل بعضهم العلم الحاصل بالحواس اكتسابيا أي حاصلا بمباشرة الأسباب بالاختيار ، وبعضهم ضروريا أي حاصلا بدون الاستدلال ، هكذا في شرح العقائد النسفي للتفتازاني . وقال المنطقيون العلم بمعنى الصورة الحاصلة إمّا بديهي وهو الذي لم يتوقّف حصوله على نظر وكسب ويسمّى بالضروري أيضا ، وإمّا نظري وهو الذي يتوقّف حصوله على نظر وكسب ، أي البديهي العلم الذي لم يتوقّف حصوله المعتبر في مفهومه فلا يلزم أن يكون للحصول حصول ، والتوقف في اللغة درنگ كردن ، فتعديته بعلى يتضمّن معنى الترتّب ، فيفيد قيد التوقّف أنّه لولاه لما حصل ، وقيد الترتّب التقدم فيؤول إلى معنى الاحتياج . ولذا قيل الضروري ما لا يحتاج في حصوله إلى نظر . فبالقيد الأول دخل العلم الذي حصل بالنظر كالعلم بأن ليس جميع التصوّرات والتصديقات بديهيا ولا نظريا ، وبالقيد الثاني العلم الضروري التابع للعلم النظري كالعلم بالعلم النظري فإنّه وإن كان يصدق عليه أنّه لولا النظر لما حصل ، لكنّه ليس مترتّبا على النظر على العلم المستفاد من النظر ، أنّ المتبادر من الترتّب الترتّب بلا واسطة . وبما ذكرنا ظهر أنّ تعريفهما بما لا يكون حصوله بدون النظر والكسب وبما يكون حصوله به بنقصان طردا وعكسا بالعلمين المذكورين ، فظهر أنّه لا يرد على التعريفين أنّ العلوم النظرية يمكن حصولها بطريق الحدس ، فلا يصدق تعريف النّظر على شيء من أفراده لأنّه إنما يرد لو فسّر التوقّف على النظر بمعنى أنّه لولاه لامتنع العلم . أمّا إذا فسّر بما ذكرنا أعني لولاه لما حصل فلا . وتفصيل ذلك أنّ طرق العلم منحصرة بالاستقراء في البداهة والإحساس والتواتر والتجربة والحدس ، فإذا كان حصوله بشيء سوى النّظر لم يكن الناظر محتاجا في حصوله إلى النظر ، ولا يصدق أنّه لولاه لما حصل العلم . وإذا لم يكن حصوله بما عداه كان في حصوله محتاجا إليه ، ويصدق عليه أنّه لولاه لما حصل العلم . ثم إنّ البديهي والنظري يختلف بالنسبة إلى الأشخاص فربّما يكون نظريا لشخص بديهيا لشخص آخر ، وبالعكس . فقيد الحيثية معتبر في التعريف وإن لم يذكروا . وأمّا اختلافهما بالنسبة إلى شخص واحد بحسب اختلاف الأوقات فمحلّ بحث ، لأنّ الحصول معتبر في مفهومهما أولا وهو بالنظر أو بدونه ، ربما حرّرنا اندفاع الشكوك التي عرضت للناظرين فتدبر . تنبيه قد استفيد من تعريفي البديهي والنظري المطلقين تعريف كلّ واحد من البديهي والنظري من التصوّر والتصديق . فالتصوّر البديهي كتصوّر الوجود والشيء والتصديق البديهي كالتصديق بأنّ الكلّ أعظم من الجزء والتصوّر النظري كتصوّر حقيقة الملك والجنّ والتصديق النظري كالتصديق بحدوث العالم . ثم التصديق عند الإمام لما كان عبارة عن مجموع الإدراكات الأربعة فإنّما يكون بديهيا إذا كان كلّ واحد من أجزائه بديهيا . ومن